"في كفّي قصفةُ زيتونٍ وعلى كتفي نعشي"

(في تأبينِ الرّفيقِ عادل، ابنِ الرّفيقَيْنِ المِعطاءَيْنِ أوديت ونقولا ياور، وزوجِ الرّفيقةِ الوفيّةِ أريج الذي وافته المنيّة، بغتةً يومَ الجمعة، 3/12/2021)

أيُّ نهارٍ هذا الذي ألهبَ روحَنا، يا أوديت ونقولا ياور، كيف نصحو بلا مَنْ عُرِفْنا بِهِ، ومَنْ عُرِّفْنا به، بلا بكرِنا، وقامتِنا، وزينةِ حياتِنا الدُّنيا والعُليا، بِلا ضحكتِنا، وهدأةِ بالِنا، وفَلْذَةِ كبدِنا، فهل كنّا نطمئنُّ وننامُ لحظةً في ليلةٍ حُبلى بهذا النَّهار؟!!

ماذا سنقولُ لكِ يا أوديت، يا نبعَ الحنانِ والعطاءِ، وكيفَ سنتلعثمُ أمامَكَ يا نقولا الشّديدُ المِعطاءُ، بينَ المعزّينَ الكثيرينَ! هل نقولُ: "سلامة أعماركم!"، لتُجيبونا: "ليتَ أعمارَنا لم تسلمْ، مقابلَ شعرةٍ منْه!"، ماذا سنقولُ لأريجَ الزّوجةِ الأصيلةِ الوفيَّةِ التي قاسمت "عادل" نفسَها وروحَها وأملَها، ففقدَتْ نصفَها، وعليها أنْ تحيا بِنصفِها الباقي؟! وبأيِّ كذبةٍ سنعِدُ الأولادَ المصدومينَ الباحثينَ عن معنى الموتِ؟!

عندما تنزلُ الفاجعةُ بِنا يُفْلَجُ العقلُ، وتَجمَحُ المشاعرُ كحصانِ عنترةَ، يعجزُ الفارسُ عنْ لجمِها، ولو كانَ أمهرَ الفرسانِ! فعذرًا منْكَ أيُّها العقلُ، يا سيّدَ المواقفِ العاقلةِ والمعقولةِ والمتعقّلةِ، إنْ توقّفَ قلبُ عادلٍ فجأةً، ولم يحصلِ الموتُ، فكيفَ يُصَدِّقُ الحيُّ العقلَ، في ثورةِ المشاعرِ الحزينةِ المُنفلِتةِ مِنْ كلِّ عِقالٍ؟!

كمْ مرّةٍ قلتِ لي يا أوديت مازحةً، أريدُ منْكَ أنْ تَرثيَني عندما أموتُ، فنضحكُ، وأقولُ في سرّي وفي علني: مَنْ يعرفْ منْ يموتُ أوَّلًا، أنا أم أنتِ؟! وها هي الأقدارُ تجمعُنا في موقفٍ لم يخطرْ على بالِنا، في أَسوإِ أحلامِنا، كنّا نتمنّى فيه أنْ نكونَ ضحيّةَ الأقدارِ بدلًا من أجملِ شبابِنا، عادلٍ!

كيفَ سيعزّي الحزبُ الرّفيقَ نقولا، وهو حاملُ همِّ النّاسِ، وجابرُ خواطرِهم، تتلألأُ في كلِّ بقعةٍ منَ القريةِ حبّاتُ عرقِهِ تعكسُ فرحَهُ في خدمةِ النّاسِ، في أيِّ عملٍ لم تتطوّعْ يا صاحبَ النّخوةِ، يا حبيبَ النّاسِ، تفيضُ بينَ أضلاعِكَ روحُ البناءِ والسَّخاءِ والرّجاءِ؟!

بيتُكم هو نادي حزبِنا وجبهتِنا وشبيبتِنا، فيهِ كتبْنا الشّعاراتِ للمظاهراتِ، ومنْه وزّعْنا البطاقاتِ للنّاخبينَ، وفي ساحتِهِ عقدْنا اجتماعاتِنا الشّعبيّة، وجمعَتْ جدرانُه حلقاتِنا البيتيّةَ، ومِنْ مطبخِهِ فاحَتْ روائحُ أشهى مأكولاتِ أعمالِنا التّطوّعيّة، فماذا سيقولُ الحزبُ لنفسِهِ معزيًّا قلبَهُ المكلومَ النّازفَ أَلمًا وحزنًا وحسرةً؟!

إنّ عائلتَكم قليلةَ العديدِ، هي كبيرةُ القيمةِ والمحبّةِ والتّقديرِ في قلوبِ النّاسِ، ومصابُكم هو مصابُنا جميعًا أيُّها الأحبّة، القريةُ اليومُ ثكلى، والحزبُ ثاكلٌ، والمحبّونَ أجمعونَ ثاكلونَ، نبكي على عادلٍ كما تبكونَ، ونصبرُ على الفاجعةِ كما تصبرونَ، ونؤازرُ أنفسَنا بما استطعنا من تقبّلٍ لحقيقةِ الموتِ، ومِمّا سيأسرُنا بِجمالِهِ ربيعُنا القادمِ، منْ همسةِ زهرةٍ، ووشوشةِ نسمةٍ، وزقزقةِ عصفورةٍ.

أيُّها الرّفاقُ، أيّتُها الرّفيقاتُ، ارفعوا قاماتِكم وأنتم تحملونَ النّعشَ، ففيهِ زينُ الشّبابِ عادلٌ، فيهِ عنفوانُ الشّبابِ المتدفقُ نشاطًا وحُبًّا للحياةِ، فيهِ حماسُ الرّفاقِ في تعبيدِ الطّريقِ أمامَ الأجيالِ الصّاعدةِ، فيهِ قلبُ نقولا وأوديت وأريج، فيهِ سؤالُ الأبناءِ المُحيِّرِ، فيه قلبُ العائلةِ الباكية، العائلةِ الصّغيرةِ الكبيرةِ، التي تَحوينا جميعًا!

لم يكنْ هذا النّعشُ الأوّلَ على هذهِ الأكتافِ، ولن يكونَ الأخيرَ، ولكنَّ مسيرةَ العائلةَ، الصّغيرةَ والكبيرةَ، ستظلُّ متواصلةً، إذا أصابتِ الأقدارُ أحدَنا، نرفعُهُ على أكتافِنا، ونمضي "منتصبي القامةِ نمشي، في كفِّنا قصفةُ زيتونٍ، وعلى كتفِنا نعشي، ونحن نمشي"!

نمسحُ دموعَنا، كما تمسحونَ دموعَكم اليومَ، يا عائلةَ "ياور"، ويا عائلّةَ "هلّون" ويا أيُّها الحزبُ الشّيوعيُّ، ويا أيُّها المُحبّون الباكون!

إياد الحاج

كفرياسيف- 3/12/2021

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع الملتقى بفسح المجال أمام الكاتب لطرح افكاره االتي كتبت بقلمه ويقدم للجميع مساحة حرة للتعبير نأمل ان تعجبكم